محمد أبو زهرة
2158
زهرة التفاسير
أن يقتص ، وفي حال العفو تجب الدية أو ما يتفقان عليه من المال عملا بقوله تعالى : . . . فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ . . . ( 178 ) [ البقرة ] وأثر التوبة قبل القدرة في هذه الجريمة أنها كانت قبلها حدا لا يقبل السقوط ، وبعدها صارت قصاصا يقبل العفو من صاحبه ، وإذا ارتكبوا ما يكون في أصله جريمة حد ، كالسرقة ، والزنى عند مالك ، وتناول المخدرات والمسكرات واتخاذ أوكار في الكهوف والصحارى لنشرها وسلب أموال الناس في سبيلها ، فإنه لا حد عند من يدخلها في الحرابة . وإن ذلك يحتاج إلى بعض البيان . فنقول : إن الفقهاء اتفقوا على أن السرقة تدخل في الحرابة فإذا سرقوا ثم تابوا ، فإن الحد يسقط ، ولكن يجب رد المال إلى صاحبه ؛ لأن الحد يقبل السقوط بالتوبة ، ولأن الله تعالى قد وعد بغفران ما ارتكبوا إذا تابوا فحق وعد الله وأما حق العبد فإنه لم يدخل في الوعد ابتداء ، ولأن الحرابة وهي الجريمة الكبرى قد غفرت ، فيغفر ما في أطوائها من حدود هي في ذاتها دونها . وأما الحدود الأخرى من حدود المسكرات والمخدرات والقذف والزنى إذا ارتكبوها في أثناء حرابتهم ، فهل تسقط ؟ لقد قال الإمام مالك : الذي جعلها تدخل في ضمن أعمال المحاربين ، ويعاقبون من أجلها ، ويعدون محاربين ، ولو قصروا عملهم على ارتكابها ، كالعصابات التي تتجر في أعراض النساء ، وتسمى في لغة العصر . ( الاتجار في الرقيق الأبيض ) ، قال مالك فيها : إن التوبة تجبها ، لأنها داخلة في الحرابة وهي حقوق الله تعالى ، وقد وعد سبحانه بغفرانها إذا ارتكبوها وتابوا قبل القدرة عليهم ، وهي حقه ، وهو سبحانه غفور رحيم . وقال الشافعية : لا تسقط ؛ لأنها غير داخلة في الحرابة ، والتوبة هنا تكون توبة خاصة بها ، ولا تكون توبة الحرابة شاملة لها ، فإن تابوا عنها توبة خاصة - والأصغر يدخل في الأكبر - بها قبلت ما عدا القذف ، وقال أبو حنيفة : لا تقبل عنها توبة ولو خاصة ، وقال الحنابلة : تدخل التوبة عنها في ضمن التوبة عن الحرابة ، لأنها أصغر منها .